محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
73
بدائع السلك في طبائع الملك
الشدة الثانية : المجاعة والغلاء والتوجه إلى الله تعالى برحمة المحتاج إلى الصدقة ، من أعظم ما تنفتح « 243 » به أبواب الفرج منها لقوله تعالى « إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ » « 244 » وفي الحديث : من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، وكان الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه . قال : الأستاذ أبو سعيد « 245 » : - ومن خطه نقلت - فإذا كان في حاجة المساكين « 246 » ، كان الله في حاجته وعونه ، فكشف عنه كربه . قال : ومن هنا سميت الصدقة فرّاجة الكرب . قلت : وأبلغ من هذا في الرحمة لهم ، حال هذه الشدة مساهمتهم في مس البلوى بها ، ليتذكر إليهم ، ويستدعي به رحمة المولى الرحيم ، كما يروى أن يوسف عليه السلام لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ، ويأكل خبز الشعير ، وكان قبل ذلك لا يأكله . فاستنكره بطنه ، فضربه بيده وقال : هو والله ما ترى حتى يوسع الله على المسلمين . فائدة في تنبيه لا خفاء ان القحط من أسباب هذه الشدة ، وعند ذلك فمن أنجح ما تستمطر به سحب الغمام خضوع السلطان الله تعالى وتذلّله بين يديه . كما يحكى : أنه قحط الناس بقرطبة في آخر مدة الناصر « 247 » من خلفاء بني أمية ، فأمر القاضي منذرا بالبروز إلى الاستسقاء ، فتأهب أياما ، إنابة ورهبة . واجتمع الناس في مصلى الربض ، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم ، وصعد الخليفة في أعلى مصانع القصر المشرفة ،
--> ( 243 ) س : تستفتح . ( 244 ) آية 56 ك سورة الأعراف رقم 7 . ( 245 ) هو الأستاذ أبو سعيد بن لب الفقيه المغربي المشهور وقد تقدمت ترجمته . ( 246 ) ج + ه + س - المسلمين . ( 247 ) الناصر : هو عبد الرحمن الناصر بن محمد الأموي ، أول من تسمى من الأمويين بالأندلس بأمير المؤمنين عندما التاث أمر الخلافة بالمشرق واستبد موالي الترك على بني العباس وتوفي سنة 350 ه . نفح الطيب ج . 1 . ص . 352 - 379 ، وتاريخ ابن خلدون ج . 4 . ص . 137 .